|

ثـالثاً : التيار الوطني الحـــــرّ.
إن الأهداف الحقيقية للتيار الوطني الحرّ بقيادة الجنرال ميشال عون من وراء خوضه الإنتخابات النيابية الحالية تندرج تحت سقف لعبة الأحجام وإستعادة الدور المسيحي الريادي ضمن اللعبة السياسية الداخلية مقابل باقي الطوائف. وتكريس نفسه الزعيم المسيحي التاريخي الأكثر شعبية. لما لهذا العنصر من مفاخرة بالذات والتعويض عن كافة مراحل الإضطهاد والتهميش والمحاربة التي تعرض لها منذ العام 1988 يوم توليه رئاسة الحكومة الإنتقالية وإستبعاده بالقوة عن قصر بعبدا، مروراً بنفيه لمدة 15 سنة في فرنسا وحرمانه من العمل السياسيي طوال هذه المدة، وصولاً الى عودته الى لبنان مؤخراً ومحاولة تحجيم دوره من قبل التحالف الرباعي في إنتخابات عام 2005. والتكتل ضده وحرمانه من تولي منصب رئيس الجمهورية في العام 2008 خلافاً للرئيس العماد إميل لحود.
إن كثرة المرشحين والمتحالفين مع التيار الوطني الحرّ بلغت 60 مرشحاً موزعة على كافة الأقضية اللبنانية بحيث إن الجنرال إستطاع تأليف لوائح مكتملة ضمن الدوائر التي تعتبر بغالبيتها مسيحية بإستثناء قضاء بشري، وهذا ما لم تستطيع أن تفعله القيادات المسيحية ضمن 14 آذار. فإن معركته الإنتخابية بحجم الوطن، فهذا مؤشر واضح للعبة الأحجام التي يريد أن يكسبها الجنرال لتحقيق أهدافه السياسية المعلنة وغير المعلنة.
من أجل إنجاح معركته الإنتخابية، وضع التيار الوطني الحر كافة إمكانياته المادية والبشرية وعلاقاته الإجتماعية والسياسية والإعلامية بتصرف مرشحيه من أجل تأمين كافة الظروف الموضوعية لخوضهم الإنتخابات والفوز بها.
والملفت بهذا الإطار الحملة الإعلامية المنظمة والذكية التي يقوم بتنفيذها التيار. فلا تجد ملصقاً إعلانياً على الطرقات العامة إلا ويتضمن شعاراً إنتخابياً باللون البرتقالي. فقد ذكرتنا هذا الكثافة الإعلانية بعملية غسل الأدمغة التي كانت تمارسها بعض الدول الأوربية أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تنطلق من شعار إعلاني وهو إن الأفكار السياسية تتشابه مع السلع الإستهلاكية من كافة الأنواع، وبما أنه بواسطة الإعلان المكثف يمكنك الترويج لها وبيعها، كذلك الأفكار والشعارات السياسية فيمكنك الترويج لها عبر إعتماد أسلوب الكثافة الدعائية الإعلانية والإعلامية. وهذا بالتحديد ما يقوم به التيار الوطني من أجل الترويج لإفكاره السياسية ولبرنامجه الإنتخابي. وهذا الأسلوب جيد وفعّال وقد أوصل سابقاً للنتيجة المطلوبة.
فلعبة الأحجام التي يمارسها التيار واضحة المعالم فقد توقع الجنرال عون أن يصل حجم تكتله النيابي من 30 الى 35 نائباً، وهذا يشكل أكبر تكتل نيابي بتاريخ لبنان وخاصة لدى المسيحيين. والهدف منه إعادة التوازن السياسي مقابل باقي الكتل النيابية وخاصة لدى الطائفتين السنية والشيعية، من أجل خوض معركة إستعادة بعض صلاحيات رئيس الجمهورية التي فقدها في الطائف.
وتأكيد الجنرال على تحقيق هذا الهدف عائد الى خلفية في وعيه السياسي أوربما في لاوعيه، إن حرب التحرير التي خاضها عام 1988 وخسرها آنذاك هي السبب المباشر لإتفاق الطائف والخسارة الكبيرة التي تكبدها المجتمع المسيحي وفقدانه الدور الريادي في اللعبة السياسية الداخلية. وشعوره الدائم بعقدة الإضطهاد والإستهداف السياسي.
ولتحقيق هدفه الإنتخابي، لم يتنازل الجنرال عن إي مقعد نيابي حيث تواجده الشعبي يسمح له بخوض المعركة الإنتخابية، فمثلاً في قضاء جزين لم يقبل الجنرال التنازل عن مقعد لصالح الرئيس نبيه بريّ وقد هدد موقفه هذا فرط تحالف المعارضة في باقي المناطق، بل على العكس، أكد موقفه وأجبر الرئيس بريّ بتأليف لائحة ثانية في جزين. وكذلك الأمر في باقي المناطق الإنتخابية كان إصراره دائماً مع حلفاءه على عدم التنازل عن أي مقعد نيابي، وأجبر الأطراف الأخر تقديم التنازلات للمحافظة على وحدة المعارضة.
فهذه السياسة المتبعة من قبل الجنرال ربما سوف تكسبه مقاعد نيابية إضافية، إنما بالمقابل سوف توقظ عند حلفائه شعور القلق من تنامى حجمه السياسي وعدم القدرة على ضبط إيقاعه تناغماً مع مصالح المعارضة الداخلية والإقليمية.
******************************
بالإضافة الى لعبة الأحجام التي يخوضها الجنرال حتى الثمالة، هناك عامل نفسي لا يقل أهمية عن العوامل السياسية مجتمعة وهي عقدة الإضطهاد التي رافقت الجنرال منذ العام 1988 وحتى يومنا هذا.
فإن حاولنا النظر عن بعد، نرى إن الجنرال في كل مرةً يخسر معركة عسكرية أو سياسية تكون نتيجة تكتل باقي القوى السياسية ضده، فحرب التحرير والإلغاء خسرهما لتكتل باقي الأطراف المسيحية والإسلامية ضده، بالإضافة الى الأطراف الإقليمية والدولية. وهذا كان نتيجة حتمية لنفيه مدة 15 سنة الى فرنسا.
وكذلك الأمر ولدى عودته الى لبنان عام 2005 تكتلت باقي القوى السياسية ضده ضمن التحالف الرباعي محاولة هزيمته في الإنتخابات النيابية وبالتالي إفقاده الأمل بالوصول الى سدة رئاسة الجمهورية.
فكل هذه التجمعات ضده، لإعاقته من تحقيق أهدافه السياسية، خلقت في ذهنه الواعي واللاواعي عقدة الإضطهاد، وأجبرته على التصرف إنطلاقاً من ردة فعل عنيفة وحاسمة ضد جميع خصومه وخاصة المسيحيين، وذلك للتعويض عن الخسائر السابقة.
فكانت الإنتخابات الحالية الفرصة الذهبية للجنرال عون وتياره السياسي ليثبت أنه الزعيم المسيحي التاريخي الأكثر شعبية وصاحب أكبر تكتل نيابي في تاريخ لبنان. والزعيم الوطني الأكثر تفاعلاً مع باقي الطوائف وخاصة الطائفة الشيعية الكريمة.
إن صدقت التوقعات والترجيحات الإنتخابية سوف يستطيع الجنرال عون وتياره السياسي من تحقيق أهدافه من وراء هذه الإنتخابات النيابية، إن لناحية لعبة الأحجام بحيث إنه سوف يحصد عدد لا يستهان به من المقاعد النيابية. وإن لناحية التخلص من عقدة الإضطهاد التي رافقته لسنين طويلة، لإنه يخوض المعركة الإنتخابية ضمن تحالف واسع وعريض يمتد من لبنان مع أكبر وأقوى حزب فيه (أي حزب الله) مع ما يستتبعه من حلفاء، مروراً بحليفيه الإقليميين ( سوريا وإيران). علّ كل هذه المعطيات وموازين القوي التي يستجمعها الجنرال وتياره السياسي تستطيع في النهاية المطاف إعادة التوازن للعبة السياسية الداخلية وعودة الدور الريادي للمسيحيين في لبنان.
|